الغزالي
40
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
يبغضون إلا ما يبغضه ، ولا يكرهون إلا ما يكرهه ، ولا يريدون إلا ما يريده من الأقوال والأعمال اللائقة بجلاله . فإذا أصارهم التوفيق إلى هذه الحالة ، حصل لهم المعنى المصحّح للتجوّز . ويدل على صحّة هذا التأويل الصارف إلى المجاز المذكور ، أنه عليه السلام ، احترز عن إرادة ظاهر هذا النص الدالّ على الاتحاد ، بقوله : « فيكم بالحرا الذي قدّسه وأرسله » . فصرّح بأنه رسول متبرّئا من الإلهيّة / التي تخيّل اليهود أنه ادّعاها مثبتا لنفسه خصوصيّة الأنبياء ، وعلوّ درجاتهم على غيرهم ممن ليسوا أنبياء ، بقوله : « فيكم الحر الذي قدّسه وأرسله » ، أي قد شاركتكم في السبب المصحّح للتجوز ، وفضلتكم بمراتب النبوّة والرسالة . ولو لم يكن ما ضربه لهم من التمثيل جوابا قاطعا لما تخيّلوه من إرادة ظاهر اللفظ ، لكان ذلك مغالطة منه وغشا في المعتقدات المفضي الجهل بها إلى سخط الإله ، وهذا لا يليق بالأنبياء المرسلين الهادين إلى الحق . لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة / ، غير جائز للأنبياء ، كيف وفي كتبهم أنه أرسل لخلاص العالم ، مبينا ما يجب للّه وما يستحيل عليه ؟ ! وإنما يكون مخلصا للعالم إذا بيّن لهم الإله المعبود ، فإن كان هو الإله الذي يجب أن يعبد ، وقد صرفهم عن اعتقاد ذلك بضربه لهم المثل ، فيكون قد أمرهم بعبادة غيره ، وصرفهم عن عبادته ، والتقدير أنه هو الإله الذي يجب أن يعبد ، وذلك غشّ وضلالة ، لا يليق بمن يدّعى فيه أنه أتى لخلاص العالم ، بل لا يليق بمن انتصب للإرشاد والهداية من آحاد الأمم ، فضلا عمّن صرّح بأنه رسول هاد / مرشد . فإن قيل : إنما ضرب لم المثل ؛ مغالطة ليدفع عن نفسه ما يحذره من شرّهم . قلنا : الخوف من اليهود لا يليق بمن يدّعى فيه أنه إله العالم ، وموجد الكائنات ! ! فليت شعري ، ما ذا يقول المعاند بعد أن لاحت له هذه الحقائق أوضح من فرق الصبح ؟ وكيف يتقاعد عن تأويل هذا النص وتأويل أمثاله ، ويخبط خبط عشواء ، وصاحب شريعته قد أوله نفسه « 1 » ؟ !
--> ( 1 ) في المطبوع : [ وصاحب شريعته - نفسه - قد أوله ؟ ! ] .